Skip to content

Home من هم الموارنة
من هم الموارنة Print E-mail
Written by administrator   
Friday, 19 February 2010 18:48

يقول المسيح: “إنّ من أُعطي كثيراً يطلب منه الكثير”. لقد أُعطي الموارنة كثيراً ولذلك يطلب منهم الكثير. أُعطوا أولاً، هذا الجبل العظيم، جبل لبنان اسم من أعطر الأسماء في الكتاب المقدس وفي التاريخ. اقترن اسمه بالمجد والكرامة والشموخ والبهاء والجمال والقداسة والصمود والرائحة الزكية، وبـ”أرز الرب” الخالد. وهو اليوم استراتيجياً من أشد الحصون مناعة في هذا الشرق ليس لذاته وفي حد ذاته فحسب، بل في تدبير الشرق الأوسط الدفاعي العام. لم يعط شعب في المنطقة كلها شيئاً بالطبيعة شبيهاً به، وإذا اعتبرنا أهمية هذه المنطقة اليوم في الإستراتيجية العالمية، وموقع الجبل الفريد، الشامخ من البحر مباشرة، صحّ القول، لربما، إنّ شيئاً شبيهاً بهذا الجبل لم يعط لقوم في العالم.
انه عطية عظيمة. التفريط به، بأي شكل، جريمة لا تغتفر. السؤال هو: هل يستأهل اللبنانيون، هل يستأهل الموارنة، هذه العطية العظيمة؟ هل يقدرونها حق قدرها؟ لبنان معطى للجميع، ولذلك كلنا جميعاً، وبالأخص الموارنة، مؤتمنون على هذا الجبل، مؤتمنون عليه كي يبقى منيعاً بأيديهم وبأيدينا كلنا، وكي يكونوا ويبقوا هم، ونكون ونبقى جميعاً، جديرين بما اقترن اسمه به معنوياً في التاريخ “مجد لبنان أعطي له” شعار يدل على أن مجداً عظيماً أعطي الموارنة، مجداً بقدر ما يبعث على العزة والفخار يستدعي أيضاً منتهى العبرة والتواضع.
أعطي الموارنة، ثانياً، لبنان، شعباً وتراثاً وقيماً. لا يمكن فصل شعب لبنان وقيمه وتراثه عن جبل لبنان. الجبل دمغ الشعب دمغاً، وأسهم بشكل حاسم في تكوين تراثه وقيمه.. الساحل أيضاً، بانفتاحه غرباً، دمغ شعب لبنان، لكن لبنان لا يتفرد بساحله، لأن سوريا وإسرائيل ومصر وتركيا لها أيضاً سواحلها، بينما ليس لأي من هذه البلدان جبلها الفذ الدامغ.
عندما أقول ان الموارنة أعطوا لبنان بشعبه وتراثه وقيمه، لا أعني ان الفئات الأخرى بتراثها وقيمها هي ملك للموارنة. إنّ ما أعنيه أنّ الفئات جميعاً أعطيت بعضها لبعض بمجرد تواجدها في بلد واحد تتفاعل فيه بعضها مع بعض. بهذا المعنى لبنان، بشعبه وتراثه وقيمه، أعطي للدروز وللسنيين وللشيعة وللأرثوذكس وللكاثوليك الملكيين ولجميع الفئات الأخرى التي تتكون منها الأسرة اللبنانية، لكنه أعطي أيضاً للموارنة. من هنا مسؤوليتهم الهائلة تجاه الآخرين المعطون لهم. اني استفرد هنا إعطاء لبنان للموارنة لأننا في صدد الكثير المعطى لهم، وبالتالي في صدد الكثير المطلوب منهم بالذات.
والمطلوب منهم، قبل كل شيء، بالنسبة للبنان المعطى لهم، شعباً وتراثاً وقيماً، أن يحرصوا الحرص كله على الحرية الشخصية الكيانية الإنسانية المسؤولة، التي وحدها تؤمن تعددية تراثاته وتفاعلها السلمي الخلاق بعضها مع بعض. بإمكان الموارنة أن يتساهلوا في كل شيء، أو يتفاوضوا حول أي شيء ما عدا هذه الحرية الشخصية الكيانية. بدونها لا وجود لهم وحتى لا معنى لوجود لبنان، حتى إن وُجد. ووجوده عندئذ كعدم وجوده تماماً، وعندما يتساوى الوجود وعدمه، ينعدم. أما بوجود هذه الحرية، قائمة مضمونة ثابتة، فباستطاعتهم مع الزمن أن يستعيدوا كل شيء، تساهلوا به أو تنازلوا عنه. أما بدونها فما يملكون، أو يظنون انهم يملكون، سيخسرون.
التفاعل التجاري الشريف (واني أعي تماماً إمكان إساءة استعمال هذا التفاعل، وإمكان إفساده، وكيف انه أفسد ويفسد، وان استعماله أسيء وساء بالفعل)؛ الإنفتاح العالمي، اقتصاداً ومجتمعاً وفكراً وتحسساً وتقديراً وتعاملاً وانفعالاً وإعطاء؛ الخلق الفكري الحر الفريد في هذا المشرق؛ نشدان الحقيقة في كل حقل وباب والقبض عليها وإعلانها؛ المشاركة الداخلية، الفاعلة والمنفعلة، في التراث الإنساني الكياني العالمي المتراكم الواحد؛ المبادرة الفردية المغامرة الخلاقة؛ التعددية السمحاء في حدود القانون؛ الإحترام الحقيقي المتبادل للغير؛ المسيحية الآمنة الحرة؛ قيم الموارنة الخاصة؛ قيم الآخرين الخاصة؛ التعلق الوثيق بالأرض والتراب والتراث الحي؛ العادات والأعراف اللبنانية المميزة، سواء ما كان منها مختصاً بالموارنة أو ما كان مشتركاً بينهم وبين الآخرين: هذه وغيرها من القيم العظيمة، يُطلب الى الموارنة – لانها جميعاً معطاة لهم – أن يقدروها ويرعوها ويحافظوا عليها، كنزاً لا يثمن، كنزاً يثري ذاته، ويثري العرب إنسانياً إذا أحبوا الإفادة منه، ويثري الشرق الأوسط ويثري العالم.
هي العناية التي تطلب هذا منهم بإلحاح، ومن لا يعي طلب العناية، أو من يعيه ولا يكون أهلاً له، أو من يعيه ولا يكترث به، فالعناية تعرف يوماً كيف تقتص منه.
أعطي الموارنة بلداً مجتمعه حر، تعددي، والمسيحية فيه حرة. هذا شيء كثير، خاصة في الشرق الأوسط، لذلك يطلب منهم الكثير الكثير.
يطلب منهم، وهم مقدروا الحرية الأول وعاشقوها، ألا يعملوا شيئاً، أو يقبلوا شيئاً، أو يقبلوا بشيء، يؤول الى تقليص حرية لبنان، بل أن يعملوا كل شيء لتمتين هذه الحرية وتعميقها وجعلها أكثر أصالة ومسؤولية، بحيث إذا جاء لبنان حر من احرار العالم الحقيقيين لا يشعر بالإختناق الروحي كما يشعر في غير لبنان، بل بأنه في داره وبيته تماماً. لبنان الحر قيمة لا تقدر في التدبير الإنساني الكياني العام للشرق الأوسط، والموارنة مؤتمنون على هذه القيمة لربما أكثر من سواهم. وبما أن هذه الحرية اليوم تقلصت وزمت في لبنان، وقد تمثلت (assimilated) أجزاء منه في نظم غيره، فعليهم أن يستردوا هذه الأجزاء ويعيدوها الى الرحابة اللبنانية الأصيلة وعلى كل اللبنانيين، الى أية فئة انتموا، أن يعاونوهم في عملية هذا التحرير، بإخلاص وتضحية يماثلان إخلاصهم وتضحيتهم هم.
يطلب منهم، وهم العارفون الأول لخطورة الإحترام المتبادل، أن يشددوا على هذا الإحترام ويمارسوه بالفعل في صلاتهم مع جميع فئات لبنان. ممارسة هذا الإحترام الصادقة ليست أمراً آلياً ذاتياً طبيعياً: انها كمال موهوب من فوق. وهذا “الفوق” يعرفونه جيداً، الذي سمعوه آلاف المرات يقول لهم “احبب قريبك حبك لنفسك”، بل “أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا الى مبغضيكم”.
يطلب منهم، وهم الجسم المسيحي الحر الأول في لبنان، أن يحرصوا أشد الحرص على المسيحية الحرة، ليس لهم فحسب بل لكل فئة مسيحية أخرى. المسيحيون الآخرون مسيحيون مثلهم تماماً، ومن حقهم ان يكونوا في مسيحيتهم أحراراً مثلهم تماماً. على الموارنة أن يستمروا بإشعارهم بالفعل بأن حريتهم وذاتيهم مقدستان. وعليهم في نفس الوقت أن يحترموهم في مسيحيتهم، أياً كانت، وألا يفكروا بشأنهم فكرة واحدة أو يقولوا عنهم كلمة واحدة، في هذا العصر المسكوني المليء بالرجاء، يشتم منها انهم هم وحدهم (أعني الموارنة) مالكو كمال المسيحية وان مسيحية غيرهم ناقصة أو زائفة. مع اني لا أؤمن إطلاقاً، في الأمر المسكوني العقائدي، بأية توفيقية رخيصة، بل بحقيقة واحدة علينا أن نتلمسها جميعاً بالرجوع المنفتح الى الوحي المعطى والى التراث الاصلي والاصيل والى ارشاد الروح القدس الحي وتنويره. وفي شأن النشدان المسكوني على الموارنة أن يأخذوا بزمام المبادرة في إنشاء حوار مسكوني رحب مع الآخرين، لا بقصد إدانتهم والتنديد بهم، بل بقصد تلمس إرادة الروح القدس في حقيقة المسيح الأخيرة، وفي كيف يتفق الجميع ويتعاونون ويتحدون في الطاعة والإيمان وفي الرجوع الصحيح الى الأصول.
أن تكون المسيحية حرة بالفعل، لا بالإيهام والإدعاء الكاذب، في الشرق الأوسط فقط في لبنان، حرة كما هي حرة في أوروبة وأميركة تمامًا، إنّ هذا لأمرٌ في منتهى الخطورة في هذا الزمن. ليتنا ندرك مغزاه، ليتنا ندرك ما هو مطلوب منا بشأنه، ليتنا نعرف ونقدر تعجُّب أرفع النفوس في العالم لمجرد وجوده! مجرد وعيه يوحي بأن لبنان مميّز تمامًا ليس في شؤون تافهة بل في أدق الشؤون وأخطرها.. إذا سقطت المسيحية الحرة في لبنان ـ ولبنان آخر معقل لها في المشرق ـ انتهى أمرُها في الشرق الأوسط كله، بل في آسية وإفريقية. هذه مسؤولية لا أجسَم منها ولا أخطر! والموارنة هم المسؤولون الأُوَل عنها أمام العناية الإلهية. هل يعون هذه المسؤولية بالفعل؟ هل يقدرون خطورتها المتناهية؟ هل يفقهون مغزى أنها أوكلت إليهم؟ هل هم مستعدون بالفعل لحملها أمام العناية وأمام التاريخ؟ هل هم قادرون على تحمل أوزار حملها؟ لقد برهنوا حتى الآن انهم قادرون على ذلك. كافحوا في سبيلها وضحوا، ويكافحون الآن ويضحون، ولاشك عندي انهم سيكافحون ويضحون.
المجتمع الحر الحقيقي، الإحترام المتبادل الصادق في مجتمع تعددي، المسيحية الحرة كما هي حرة في أي بلد في أوروبا وأميركا – هذه عطايا ثلاث لا أشرف منها ولا أعظم! كلها أعطيت لنا جميعاً وعلى الأخص للموارنة، أقول “على الأخص للموارنة” لأسباب لا مجال هنا لعرضها. وفي اللحظة التي يعي المسلمون فيها حقاً عظمتها وشرفها وفخارها وقدسيتها يتسابقون مع المسيحيين للحفاظ عليها كأقدس وأثمن وأبهى ما يملكون هم من قيم في هذا البلد، بلدهم، الصغير الكبير. أي قيمة إنسانية أعظم من قيمة الحرية؟ بأي قيمة يكون الإنسان بالفعل إنساناً أكثر منه بالحرية الكيانية؟ سموا هذه القيمة الأعظم، يا ناس، ان قدرتم! ولأن مسلمي لبنان لبنانيون، فالحرية تراثهم الأعز كما هي تراث المسيحيين.
أن يتمكن المسلمون أن يقولوا انهم أحرار تماماً في بلد حر غيرهم فيه أيضاً أحرار، إن هذا اعتزاز من أشرف ما يمكن أن يتباهوا به لو كانوا يدركون. في أي بلد آخر في الشرق الأوسط يستطيع المسلمون أن يقولوا هذا بالفعل والصدق والحق؟ على المسيحيين، وبالأخص على الموارنة، أن يقنعوهم، بوداعة المسيح وبصبر العقل الرصين المسؤول، بهذا الشرف. وهذان الإقناع والإقتناع لا يأتيان إلا في مناخ الحرية الإنسانية الأصيل. وهكذا نرى كيف ان الحرية لا تشتق ولا تستخرج من غير نفسها، ولا تأتي بمثابة نتاج لتوفر عناصر غريبة عنها، بل انها الأصل والفرع معا، إنها البداية والنهاية. حيث لا حرية من البداية، لا يمكن أن تأتي بالسحر ومن لا شيء في النهاية. فإما أنت حر في صلب كيانك من البداية، وبالتالي كل مظهر للحرية في حياتك يتفجر من حريتك هذه الأصلية، أو أنت عبد في صلب كيانك من البداية، وبالتالي كل مظهر للظلام والعبودية في حياتك ينبع من عبوديتك هذه الأصلية. الحرية نعمة تمنح من فوق، الحرية لا تنال بل توهب، الحرية تقبل بالشكر ولا تدرك بالجهد، الحرية تسري بالعدوى من الأحرار الموجودين.
أُعطيَ الموارنة بكركي. بكركي مركز روحي فريد في الشرق الأوسط. الكل يتطلعون الى قيادته وتوجيهه. باستطاعة هذا المركز الكبير جمع شمل الموارنة وأكثر من الموارنة. أثره يُلمس إذا تحرك، وقد يُلمس أكثر إذا لم يتحرك، أو إذا تحرك بما لا يتكافأ مع قدر التحدي. أما نجاعة التحرك فتتوقف على العيش على مستوى لحظة التاريخ الحاسمة. لا يكفي مجرد الحفاظ على الرعية والأعراف والتراث، لا يكفي مجرد البقاء والاستمرار. الحاسم اليوم وعيُ الحركات المصيرية الصاخبة في العالم وعيًا مسؤولاً تامًا، وتوظيفُها، أو توظيف ما أمكن منها، في سبيل التراث والبقاء.
أما الحركات المصيرية الصاخبة فتشمل بالطبع ما يوجبه تطور الكنيسة الكاثوليكية منذ المجمع الفاتيكاني الثاني، وأقوال البابا وتوجيهاته ، لكنه يتعدى ذلك الى ما هو أوسع منه بكثير. يتعداه الى التطور الواقع والمتطور في الحركة المسكونية المسيحية، وفي الحركة المسكونية بين المسيحية وغيرها من الأديان. يتعداه الى نزعات العصر الفكرية والكيانية، الى الأيديولوجيات الثورية المجتاحة العالم، الى استيعاب مغزى التطور “المتطور” الهائل في الإقتصاد والمجتمع والسياسة والعلوم والتكنولوجيا الذي قلب كل قياس وكل حسبان سابقين رأساً على عقب، والى دقائق ما هو جار وسيجري في سياسات الشرق الأوسط وسياسات العالم، مما قد يحتم إعادة النظر في كل شيء ألفناه وظننّا انه أبدي. باستطاعة بكركي، مادياً ومعنوياً، أن ترعى باسمها قيام مؤسسة تنظر، بشكل محترم عالمياً، في جميع هذه الشؤون، مؤسسة تصبح مع الزمن ثقة يحج إليها أرفع السياسيين والمفكرين في لبنان وفي غير لبنان. وإذا أقدمت بكركي على هذا الأمر، فستجد تشجيعاً وعوناً من قبل هيئات كثيرة في العالم.
بكركي من الأهمية بحيث إذا خرِبَ لبنان وبقيت هي سليمة معافاة قوية، ماسكة بيد من حديد بزمام دعوتها التي أُنيطت بها أزليًا، فباستطاعتها وحدها أن تعيد تعمير لبنان. أما، لا سمح الله، إذا خربت بكركي أو وَهَنت أو حلّ بها سقم ما، فلبنان وحده لا يستطيع إغاثتها كي تستعيد عافيتها وتبني ذاتها من جديد. وإذا كان لبنان خرِبًا فقد لا يستطيع أن يُعمِّر نفسه بنفسه إذا كانت بكركي أيضًا خرِبة. أي مؤسسة أخرى في لبنان يصح فيها هذا القول؟ وإذا قدرنا ماذا يعنيه لبنان تاريخيًا وعالميًا، تجلّى لنا مركز بكركي الفريد، وتِبعَتُها العظمى، في لبنان وفي العالم.
أما أسباب تفرُّد بكركي بهذا المركز العظيم فتعود الى طبيعة المارونية والموارنة، والى تاريخهم وتمركزهم في هذا الجبل، والى مجتمعهم المتلاحم المتراص، والى تنظيمهم المدني والكنسي. كل من هذه العوامل يستدعي بحثاً خاصًا مستفيضًا. بكركي مؤسسة حتم إفرازها تاريخ الموارنة، وطبيعتهم، وخبرتهم الكيانية، ومعاناتهم ومعاناة مسيحيي هذا المشرق الصاخبة المأساوية عبر الأجيال، المعاناة التي لم تستقرّ يومًا، وقد يكون قدرها أن لا تستقر أبدًا.
إذا شاءت العناية أن تمثِّل بكركي دورها المرسوم، وإذا استجابت بكركي لهذه المشيئة، فباستطاعتها أن تكون العامل الحاسم في مصير لبنان وفي مصير أكثر من لبنان. هذا الدور الحاسم يستدعي منتهى الحكمة والحزم والإقدام والتضحية والتواضع. وعلى أية حال، فإن الموارنة أعطوا بكركي، وهي شيء كثير، ولذلك يُطلب منهم ومن بكركي الكثير.
أعطي الموارنة تراثاً آرامياً سريانياً عريقاً. يربطهم هذا التراث تاريخياً وثقافياً ودينياً بمتبقيّات الحضارة الآرامية العظيمة في هذا المشرق التي تشمل بين الأحياء: الآشوريين والسريان والكلدان والنساطرة واليعاقبة وغيرهم. إنها حضارة من أهم حضارات المشرق.
يكفي أن تكون الآرامية، لغة الطقس الماروني، هي اللغة المحكية في فلسطين في عهد المسيح، وأن تكون لغة المسيح بالذات؛ يكفي أنها كانت اللغة الدولية (lingua Franca) بين بلدان الشرق الأوسط منذ نهاية القرن الثامن قبل المسيح، قبل اليونانية وقبل اللاتينية وقبل العربية فيما بعد؛ يكفي أن يكون إنجيل متى، أول الأناجيل الأربعة، وُضع أصلاً بالآرامية وتُرجم من الآرامية الى اليونانية بشكله اليوناني المتداول اليوم؛ يكفي أن تكون الترجمات السريانية للكتاب المقدس (Posfilla) من أولى ترجماته وأن تكون المراجع الأساسية اليوم لفهم كثير من نصوصه وتفسيرها؛ يكفي أن تكون هذه الترجمات هي المعتمدة اليوم من جميع الكنائس السريانية، بما في ذلك الكنيسة النسطورية وكنيسة الطبيعة الواحدة (Monophysite)؛ يكفي أن نقول أفرام وإسحق السريانيين، وأن نتذكر أثر الأول الهائل على المسيحية العالمية وأثر الثاني، على الأقل، على الروحانية الروسية؛ يكفي أن يكون المدعي بانه ديونيسيوس الأريوباغي (Pseudo-Dionysius)؛ (راجع أعمال الرسل 17: 34)، الذي يُرجح انه عاش في شمال سوريا في أواخر القرن الخامس بعد المسيح، والذي بالرغم من الغموض التام الذي يكتنف هويته، وبالرغم من ان كتاباته كانت أصلاً كلها باليونانية، فأثر الأفلاطونية الجديدة وأثر ذوي الطبيعة الواحدة (Monophysite) واضحان في تآليفه، وقد تُرجمت تآليفه منذ البداية الى السريانية، واعتمدها السريان والأرثوذكس الشرقيون، وبعدهم الأرثوذكس الروس، في عبادتهم ولاهوتهم وصوفيتهم، وفي تصورهم لمراتب القوات غير المرئية، وأثره في التصوف واللاهوت الغربيين، وبالأخص توما الأكويني، وفي الصوفية الألمانية المتوسطة، التي نبعت منها الفلسفة الألمانية منذ أكهارت ولايبتز، اثر حاسم جداً؛ يكفي أن يكون أثر الآرامية واضحاً ومعترفاً به في بعض أسفار العهد القديم التي وُضعت قبل السبي، بينما في سفر أستير وسفر الجامعة، وفي بعض المزامير، نمط التعبير في الغالب آرامي؛ يكفي أن تكون أقسام من سفر دانيال وسفر عزرا غير متوفرة في أصولها إلا في اللغة الآرامية؛ يكفي أن يكون الآراميون هم الذين أنشأوا الكتابة في شمال الجزيرة العربية، وذلك قبل أن وضع عرب تلك المناطق نظام كتاباتهم بقرون عدة.
الحضارة السريانية الآرامية حضارة عظيمة عريقة. تعرفها وتنقب عنها وتحترمها وتدرسها وتدرِّسها جامعات روسية وألمانية وفرنسية وبريطانية وأميركية. وهي تشكل، فوق ذلك، تراثاً لا يزال حياً (والتراث التراث هو التراث الحي فقط، إذ ما ليس بحيّ هو، طبعاً وبكل بساطة، غير موجود) في مجتمعات حية قائمة في الشرق الأوسط ومنتشرة في العالم. مَنْ أولى من الموارنة بإحاطتها بالاحترام والتكريم والتقدير والدراسة والإحياء؟
إنها معطاة لهم، إنها حية قائمة في صُلبهم. إنهم مسؤولون عنها قبل سواهم، ليس فقط بقصد دراستها تاريخياً نظرياً فضولياً، كما يصنع الأوروبيون والغربيون على العموم، بل بقصد ربطهم، حياتياً وثقافياً وروحياً ـ وهم المجذَّرون فيها ـ بمتبقيّات هذه الحضارة في الشرق وفي الانتشار الحي لها في العالم.
أعطي الموارنة طقساً ليتورجياً عظيماً. لم أتعرّف على الليتورجية المارونية بشكل يمكنّني من تقديرها إلا منذ بضع سنوات، وأنا حتى الآن أفهم وأتذوّق وأوحد نفسي مع ليتورجية الذهبي الفم الأرثوذكسية وأدخل في صميمها أكثر بكثير من تذوّقي ودخولي وتوحيد نفسي مع الليتورجية المارونية، لأني وُلدت في الكنيسة الأرثوذكسية المقدسة وترعرعت في أحضانها. لكني أعتقد أني أخذت أفهم الطقس الماروني والروحانية المارونية بحيث أصبح بإمكاني إبداء رأي، ولو متحفِّظ، فيهما.
عبقرية هذا الطقس وهذه الروحانية شعبيتهما. ينبعان من الشعب ولا يهبُطان عليه من فوق. بهذه الشعبية الحميمة تتميّز الليتورجية المارونية عن الليتورجية الأرثوذكسية. في هذه الأخيرة، حين يُرنَّم القداس بأكمل وجه، تتنسّم مجد بيزنطية الأمبراطوري، أما القداس الماروني فتجسيد رائع عفويّ لقلوب الشعب ومشاعره. الشعب المؤمن الصبور، لا الأمبراطرة ولا البطاركة ولا اللاهوتيون، يمجّد المسيح. لا تشعر أنك في حضرة أي قيصر أو أي بطريرك، حتى لو كان القيصر أو البطريرك حاضرًا. تشعر أنك بين الأرامل واليتامى، بين العمال والفلاحين، بين الخطأة والتائهين، بين مساكين الروح وودعاء النفس. تشعر أن الإنسان العادي البسيط، المثقل بالهموم، اللاصق بالتراب والطبيعة، الذي لا يعرف شيئاً، ولا يهمه أن يعرف شيئاً، عن اللاهوت أو الفلسفة، أو عن مجد العالم الزائل، هو الذي يرتفع بقلبه وروحه الى فوق، هو الذي يشده المسيح إليه، هو الذي تشرق العذراء بوجهها عليه. نشعر بهذا، وتحتقر كل عجرفة فكرية وكل مجد دنيوي، وتوحد نفسك تماماً مع هذه الأرملة وتلك العجوز ومع هذا الطفل وذاك الرجل الأمي. بل تسد الأرملة والعجوز والطفل والرجل الأمي لإيمانهم المباشر البسيط ولتحررهم من كل تعقيد عقلي. يجبون ويؤمنون، ويكفي. وكم تهمر العين بالدمع حين تسمع الجميع يرنمون بخشوع يتساوى فيه الغني والفقير، الوجيه والحقير، العالِم والجاهل، الأمير والصعلوك:
حبك يا مريم غاية المنى                 يا أم المعظّم كوني أمنا
أين الفصاحة في هذا القول؟ اين الفلسفة واللاهوت؟ أين كبرياء العقل وجبروته؟ أين الإتقان العقائدي؟ لا نجد أثراً من كل هذا، لا في هذه الترنيمة ولا في مرنميها. هو القلب البسيط ينبض ويلتمس وينشد. هي مريم ذاتها تستدر، بشكل سري عجيب. هذا القول وتنطق قائليه به. وإذ تحدق، بمحبة واتحاد نفس، في هذه الأوجه البريئة البسيطة تصلي وتتعبد وتنشد، تشعر ان دائمة البتولية ذاتها، التي انتقلت الى السماء، حية بالجسد والروح، لأنها أم الحياة، هي الحاضرة فيهم، هي المتشفعة لهم، وان ابنها الحبيب، يسوع الحي، الجالس عن يمين الآب، هو حارسهم ورجاؤهم، وحارس لبنان ورجاؤه ليس حارس الموارنة ورجاءهم فحسب، بل حارس كل لبناني ورجاؤه، أرثوذكسياً كان أم كاثوليكياً ملكياً، مسلماً سنياً أم مسلماً شيعياً، درزياً أو يهودياً، ملحداً أو منخبطاً في التيهان، أأدركوا هذا أو لم يدركوه.
هذه عظمة الطقس الماروني، شعبيته، ديمقراطيته، عفويته، بساطته، خلوُّه من أي عظمة بشرية، اشعاره نفس المتعبّد بأنها هي مبدعته وقائلته. الشعب الماروني في العبادة المارونية يشترك كلياً في الأغاني والترانيم، بينما الأغاني والترانيم في الطقس الأرثوذكسي لا يشترك فيها الحضور: ترنمها جميعاً جوقتا (خوروسا) اليمين واليسار فقط. هذا لا يعني ان هذا النوع من التدبير الطقسي لا ينطوي هو أيضاً على عظمة وروعة خاصتين، نابعتين أصلاً من التراجيدية اليونانية الكلاسيكية، تراجيدية آسكيلوس وسوفوكليس ويوريبيديس وأرستوفانيس. الطقس الماروني مجذر في الفن المحلي الآرامي؛ الطقس الأرثوذكسي مجذر في الفن اليوناني الكلاسيكي. الطقس الماروني يوحي تشبثاً واكتفاء بما أنتجه هذا الشعب وهذه التربة، كأنه يصرخ في وجه الهيلينية: أنا لست بحاجة إليك، إني ألوَّث إذا غزوتني! الطقس الماروني صرخة استقلال تام عن كل أثر ثقافي نافذ إليه من الخارج. استقلالية الموارنة السياسية الرائعة هي ذاتها تتجسد في استقلالية الطقس الماروني. الاستقلاليتان تنبعان من مصدر واحد: الاكتفائية المارونية الأصلية.. الاستقلاليتان تتعانقان وتتكاملان. هذا التعانق المتكامل بين الاستقلال السياسي والاستقلال الطقسي هو الذي مكّن فيهم عشقهم للحرية. أي فئة أخرى في لبنان، بل في هذا المشرق كله، كان بإمكانها الحفاظ على الحرية الشخصية الكيانية كما صنع الموارنة بالفعل؟ وسبب ذلك اكتفائيتهم السياسية واكتفائيتهم الطقسية، المنحدرتان من اكتفائية كيانية أصلية واحدة.
الطقس الأرثوذكسي ينبع أصولاً متقنة بالعقل والعلم، الطقس الماروني يكاد يكون بلا اصول عقلية متقنة. الواحد يفصل فصلاً صارماً بين الممثلين والقائمين بالشعائر، من جهة، وبين الحاضرين المشاهدين، من جهة أخرى. أما الطقس الماروني فشركة، ولو محدودة بالنسبة الى ما يختص بوظيفة الكاهن، بين اللمثلين والمشاهدين. الشعب ذاته هو الجوق، هو الخوروس. الشعب ذاته يمثل ويشاهد معاً. وجود المارونية والأرثوذكسية في لبنان يعني وجود مكملين بعضهما لبعض، الواحد ينبع من أغوار الشعب ويربط لبنان بالسريانية والآرامية العالمية، تراثاً وكياناً. والثاني يعكس إيجاد أنطاكية والقسطنطينية الأرثوذكسية العظيمة ويربط لبنان، تراثاً وكياناً، بالأرثوذكسية العالمية. الواحد يتطلع الى الذات فحسب، أعني الى الآرامية السريانية المشرقية، والثاني يتطلع الى الهيلينية (الأجنبية) التي غزت هذه الذات وثبتت أقدامها فيها لأكثر من ألف سنة ومكنتها من أن تعطي عطاءات ثقافية روحية عالمية هائلة، لم يكن بإمكانها إعطاؤها لولا هذا التلقيح الخارجي.
في العصور الأخيرة مثلت فرنسا ورومية هذا الدور التلقيحي الخلاق، الذي مكن الموارنة من عطائهم العظيم المعاصر.
وبالنسبة الى صحة القيام بسر الذبيحة الإلهية، لا فرق بين الطقسين. إذا كانت رسامة الكاهن رسامة صحيحة. وهي دائماً رسامة صحيحة في الإثنين نظراً للقوانين الصارمة المرعية في الكنيستين – فالخبز والخمر يتحولان سراً في اللحظة المقررة عقائدياً الى جسد المسيح ودمه، والمؤمن المتناول يتناول هذين الجسد والدم بالذات، ولو بصورة سرية غير حسية. الزخارف الأخرى، مهما تباينت، لا تقدم أو تؤخر شيئاً في هذا الفعل الجوهري، الذي هو هدف القداس كله في الطقسين، ونقطة المركز فيه.
المطلوب أن يقدر الموارنة عظمة تجذر طقسهم في التراث الشعبي المحلي وقيمة هذا التجذر، أن يحافظوا عليه ويرعَوه لقيمته في حد ذاته ولأنه هو من مكن الموارنة من حب الاستقلال والحرية، وأن يروا فيه قوة ديمقراطية هائلة نابعة من تحت، من نفوس المؤمنين، أن يوظفوا هذه القوة المعطاة في سبيل مجد المسيح والكنيسة، وأيضًا في سبيل لبنان من أجل المسيح والكنيسة، وأن يروا كيف أن المسيح ومريم باركا هذا الشعب في بساطته العظيمة البعيدة عن كل فلسفة وتفلسف، وفي تعبّده الصادق القلبي لهما، وتعلقه بهما.
هذا تنوّع الكنيسة الجامعة الواحدة العظيم، تنوّع يسمح ويُرَحِّب بكل عطاء ثقافي محلي، شرط ألا يناقض معطيات الوحي وتحديدات العقيدة. والكنيسة عرفت كيف تنقّي التراث اليوناني والتراث الماروني الأرامي السرياني من شوائب الوثنية في التراثين، وتقدمها ذبيحة طاهرة ذكية لمجد المسيح.
أعطي الموارنة هذا الارتباط الوثيق برومية. التراث المسيحي الشرقي الأرثوذكسي مفتوح للأرثوذكسية بتمام كماله، بينما المارونية، بالإضافة الى التراث السرياني الآرامي الشرقي، مفتوحة الى التراث الغربي المسيحي الروماني. المارونية ليست مفتوحة الى التراث الأرثوذكسي الشرقي انفتاحها الى التراث الروماني الغربي. رومية، بما تعنيه عالميًا وتراثيًا، خلّصت الموارنة من أي انعزالية محض محلية أو شرقية. إنه ثراء هائل، أن ترتبط الشرقية السريانية، على محدوديتها، بالغربية الرومانية بعالميتها اللامحدودة.
هذا الجمع الفريد، حضارياً وعقائدياً، بين الشرق والغرب، أعطيته المارونية بشكل رائع، وهي المؤتمنة عليه. هو الذي يكافحه المتزمتون الإنعزاليون الشرقيون اليوم ويبتغون محوه من الوجود. إن متهمي الموارنة بالإنعزالية هم الإنعزاليون الأصليون، لأنهم هم عزلوا أنفسهم، كيانياً وتراثياً، عن الحضارة الواحدة المتراكمة، والمتفاعلة من الداخل – الحضارة المتراكمة المتفاعلة منذ هوميروس وموسى حتى اليوم. إنّ ما يضمره ويخططه هؤلاء الإنعزاليون الأصليون الحقيقيون للموارنة هو أن يتخلوا عن غربيتهم الرومانية العالمية وينضموا إليهم في عزلتهم الشرقية، حتى وإن بقي الموارنة رائعين في سريانيتهم المحلية. عندئذ يصبح الموارنة أريوسيين أو ما آلت إليه الاريوسية. وهذا بالطبع مستحيل علاقة الموارنة برومية هي التي حفظتهم من أي انحراف عقائدي. أياً كانت عقادئهم في البداية، أو أياً كان جنوحهم العقائدي، قبل تمتين هذه العلاقة (وأنا لا أعرف الكافي الفاصل في أمر موقفهم الأصلي من الإرادة الواحدة والطبيعة الواحدة)، فهم الآن في مأمن تام من الوقوع في أي زلل إيماني. هم كاثوليك بكامل معنى الكلمة، ولذلك لا مجال لأي اختلاف عقائدي أساسي بينهم وبين الأرثوذكس، إلا بما يمس عصمة البابا، وهذا شأن يُنظر فيه اليوم بجدية تامة على أعلى المستويات بين الأرثوذكس والكاثوليك. إني اعتبرها عطية كبرى، هذه التي أعطيها الموارنة بارتباطهم الكياني، مزاجياً وفكرياً وعقائدياً، بالشرق والغرب معاً، عطية ليس فقط لهم هم، بل لسائر المسيحيين في المشرق، وللبنان عامة، وحتى لمسلمي ويهود الشرق الأوسط كافة. البرهنة على عظمة هذه العطية وخطورتها تقتضي بحثاً خاصاً من أعمق الأبحاث وأدقها، بحثاً لسنا هنا في صدد الولوج فيه. مجرد الإيماء إليه يكفي لإثارة فضول المزيد لتأمله واستكشاف خفاياه وأسراره.
أما ارتباط الموارنة التقليدي بفرنسا فيمكن اعتباره متمماً لارتباطهم برومية أو متفرعاً منه. الأصل رومية الكاثوليكية والفرع فرنسا اللاتينية. ثم العالم كله، بما في ذلك ألمانيا وروسيا وأميركا، كان في القرون الغابرة مرتبطاً بفرنسا، برغم أن هذه الشعوب لم تكن كاثوليكية، وفي بلاط فريديريك الكبير البروتستانتي وكاثرين الكبيرة الأرثوذكسية كانت الفرنسية هي اللغة الرسمية المعتمدة وكانت الثقافة الفرنسية هي المؤثر الأول. أما الثورة الأميركية والقانون والفكر الأميركيان المنبثقان من هذه الثورة، أو المنطويان في أساسها، فكانت كلها، الى حد بعيد، أثراً للفكر الفرنسي، في القرن الثامن عشر. وهكذا، عندما اجتمع الدين الكاثوليكي العالمي والثقافة الفرنسية العالمية في بلد واحد، هو فرنسا، صار من الطبيعي أن يشد الموارنة الكاثوليك الإرتباط، ثقافياً ودينياً، بهذا البلد. واليوم، مع استمرار تعلق الموارنة الشديد بالثقافة واللغة الفرنسيتين – ولا يجوز لهم إطلاقاً إضعاف هذا التعلق -، تجدهم يفتشون عن عالمية جديدة مكملة للعالمية الفرنسية. ولعلهم يجدونها في العالمية الأميركية، خاصة والكاثوليكية في أميركا حية فاعلة نابضة، لربما، بعنى محدود معين، أكثر منها اليوم في فرنسا. هذا مع العلم ان الكاثوليكية في أميركا تنوء هي أيضاً تحت أزمة أساسية عارمة. رومية ربطت الموارنة بالتراث اليوناني والروماني الأوروبي الغربي العالمي، وذلك، حضارياً، بواسطة اللغة والثقافة الفرنسيتين. هذه من أكبر النعم التي أعطيها الموارنة. تصور الموارنة بدون رومية وبدون فرنسا وبدون أوروبا وبدون الغرب! يصبحون عندئذ مجرد أثر تذكاري، هذا إذا بقوا في حيز الوجود! رومية وباريس عطيتان عظيمتان أعطيها الموارنة، وعليهم أن يحافظوا عليهما حفاظهم على الحياة ذاتها والبقاء.
فضل رومية على الموارنة فضل لا يُقدّر، وردهم على هذا الفضل وفاؤهم لها. رومية فتحت أمامهم آفاق الإنسان والتاريخ والعالم، وبذلك دخلوا الى حد بعيد في التراث الإنساني العالمي الواحد المتراكم. هذا الدخول مكن فيهم حبهم للحرية التي هم فيها أصيلون. الحر الحقيقي هو العالمي الإنساني فقط، أما المكتفي من الوجود بفتاته، أعني بذاته وهو لا غير، فهو عبد لهذه الذات، وباكتفائه هذا عطّل على ذاته صفة التعجب والفضول، وصار موقفه من الغير موقف الجاهل الخائف. والجاهل الخائف هو العبد بالذات، عبد لجهله وعبد للأشباح التي يتوهمها في الظلام المخيف. الحر يعرف العالم كله، ولأنه إنساني لا يجد نفسه غريباً، بمعنى كياني، في أي مكان فيه، ولا يخاف إلا الله والحقيقة، بمعنى المخافة الذي يتناسب مع الله والحقيقة. والموارنة، بفضل رومية، يعرفون العالم، زمنيًا ومكانيًا، ومخافتهم تركّز على الله والحقيقة فقط.
أعطي الموارنة تاريخًا موحّدًا، منفصلاً، قائمًا في حد ذاته، محدّد المعالم. لا تتمتع أي فئة أخرى في لبنان، بل لربما في أوسع من لبنان، بهذه الصفة المُعطاة. لم يُكتب تاريخ موحّد لأية فئة أخرى بالدقة والتفصيل والتواصلية التاريخية العريقة غير المتقطعة، التي كتب بها تاريخ الموارنة، وقد لا يكون بالإمكان وضع تاريخ لها بنفس الدقة والتواصلية، إذ قد يكون أن ليس لها تاريخ بنفس المعنى. ليس هذا من سبيل الصدف. تصوّر تاريخ السنّة في لبنان، أو تاريخ الشيعة، أو تاريخ الدروز، أو تاريخ الأرثوذكس، أو تاريخ الكاثوليك الملكيين. بالطبع يمكن لهذه التأريخات أن تُكتب، لكن هل تستند بالفعل الى تاريخ حقيقي؟ إن هذه التواريخ جميعًا لا يمكن تصوّرها بالوحدة والتحديد، والبعد والعراقة التاريخيين، وبالتواصلية، التي يُتصوّر بها تاريخ الموارنة.
وعلى اية حال، لا توجد بالفعل (أعني في المكاتب) تواريخ لهذه الجماعات الأخرى بالدقة والشمول والتواصلية التي نجدها في تاريخ الموارنة. هذه التواريخ الأخرى، حين توجد، تخرجك من محدودية الجماعة المعنية الى صلاتها بنفس الجماعة خارج لبنان. أما تاريخ الموارنة فيبقيك في لبنان، على الأقل بعد نزوح مار مارون وأتباعه إليه. وما نعرفه عن الموارنة قبل لبنان كم مهمل نسبياً إزاء ما نعرفه عنهم في لبنان. كون الموارنة لهم بطريرك واحد وكون مقره في لبنان. إنّ هذا أمر حاسم.
التاريخ، بقدر ما هو موجود بالفعل، أعني بقدر ما هو متواصل ومترابط ومتراص وموحد، وبالتالي، بقدر ما هو غير مصطنع، إنما يدل على وجود ذات معين قائم فاعل. تميز الموارنة بتاريخهم المستقل المتواصل المحدد المعالم يدل على انهم هم بالذات هذا الذات المعين المحدد القائم الفاعل الموجود بالفعل. وجود الموجود أول وأخطر عطية يعطاها. ولا يوجد موجود عبثاً. لكل موجود غاية ومغزى ومعنى وسر خاص. لذلك أن يكتفي موجود ما بمجرد وجوده، بمجرد بقائه، إنما يعني انه لم يفقه بعد سر وجوده، كنه غايته، وبالتالي انه سائر حتماً الى العدم، أي الى عدم الوجود.
ليس عبثاً ولا باطلاً، وليس هباءً ولا سدًى، وليس للاشيء ولا للاعلة أو سبب، أن الموارنة وُجدوا، وأنهم يتمتعون بهذا التاريخ الموحّد المتواصل الفذ لألف وخمسمئة سنة. وجود هذا التاريخ، وبالتالي وجود الموارنة ينطوي على سر. أعطوا الوجود، وهذا شيء كثير، وبالتالي يُطلب منهم الكثير. وإذا تأملت كل ما أعطوه بعد الوجود، ومع الوجود، وفوق الوجود، لخلصت الى أن ما يُطلب منهم هو كثير كثير .
وسر عداوة أعداء الموارنة للموارنة هو انهم يحسدونهم لوجودهم لأنهم يريدون أن يوجدوا هم فقط. وليس هذا فحسب، بل يخشون أن يكون لوجود الموارنة سر، وبالطبع لوجودهم سر. وليس هذا فحسب، بل لعلهم يخشون كذلك أن لا يكون لوجودهم هم، أعني لأعداء الموارنة، معنى أو سر، أو لعلهم لا يزالون يتلمسون هذا السر. الوجود في حد ذاته أمر غريب، وغرابته ان سراً دفيناً دائماً يكمن فيه. ولعل الأعداء الحاسدين يهابون سر الموارنة ويخشون أن لا يكون لهم هم سر، أي ان لا يكونوا هم موجودين بالفعل، أي ان يكون وجودهم هم شيئاً مصطنعاً زائلاً. الواثق في وجوده لا يجسد ولا يضمر العداوة لأحد. الواثق من وجوده لا يريد حذف وجود الآخرين. الواثق من وجوده يتسع صدره لوجود الآخرين بل يرحب ويفرح ويثرى بهذا الوجود.
بسبب سريانيتهم، أعطي الموارنة، فوق إمكان ربط أنفسهم بالعالم السرياني الحي، أن يكونوا أقرب الناس، مزاجيًا وتراثيًا، الى العرب واليهود معًا. اللغة أهم ظاهرة حضارية، لأنها بأعمق معانيها هي الحياة، تُعيّن الجذور والأصول والتراث، تُعيّن وشائج القربى.
عندما نقول “اللغات الهندوأوروبية”، نقرر فوراً الوشائج الأصولية بين الحضارتين، السنسكريتية والأوروبية. عندما نقول “اللغات السامية”، نقرر فوراً الوشائج الثقافية بين متكلمي هذه اللغات. الآرامية والعبرانية والعربية بنات عم، وبالتالي تنحدر جميعاً من جب ثقافي واحد. اليهود في فلسطين في عهد المسيح لم يتكلموا العبرانية بل الآرامية. ثم آرام في التوراة ابن سام وحفيد ناحور أخي ابراهيم. فيكون الآراميون أولاد عم العبرانيين. ومن أشعيا 11:36 نستنتج ان الآرامية كانت منذ نهاية القرن الثامن قبل المسيح اللغة الدولية (LINGUA FRANCA) بين شعوب غرب آسيا، وان اليهود كانوا يعرفونها ويتكلمونها. الآرامية عمت شعوب هذه المنطقة قبلما عمتها العربية، أما العبرانية فلم تعمها أبداً. الآرامية، إذاً، لغة وحضارة، جب نهلت منه العبرانية والعربية في آن. الآرامية خلفية من خلفيات هاتين اللغتين والحضارتين، بينهما لا العبرانية ولا العربية تشكل خلفية للآرامية بنفس المعنى. والموارنة اليوم هم الورثة الأحياء الأحرار لهذه الخلفية.
من يدري إذاً ما هي إرادة العناية بشأن تطور علاقتهم مع العرب واليهود؟ القربى السامية والأساسية بين الموارنة والعرب واليهود قد يكون لها في تدبير العناية، أثر مصيري في تطور هذه المنطقة المأهولة بالشعوب الثلاثة والحضارات الثلاث. قلنا ان سراً يكمن في مجرد وجود المارونية، وقد يكون مفتاح هذا السر هذا الأثر المصيري بالذات. لا يدري هذا السر غير الله. بكل تأكيد لا يدريه الموارنة في كماله بعد، ولا يدريه أحد في لبنان أو في خارج لبنان.
المؤمن لا يؤمن بالصدفة والقدر، المؤمن يرى، بالإيمان، العناية وراء كل شيء وفوق كل شيء وأمام كل شيء. يؤمن بوجودها حتى في حال جهله لمشيئتها تمامًا، بل بالضبط في حال هذا الجهل. يؤمن بها ويصبر على تجلي حقيقتها. يعرف أن لكل تجلِّ وقته وزمنه. لماذا بقي الموارنة حريصين على تراثهم الآرامي؟ هل هي مجرد الصدفة التي أبقتهم؟ هل هي مجرد طبيعة الأشياء التي نفقهها بالعقل التي أبقتهم؟ هل هو مجرد قبوعهم في هذا الجبل المنيع؟ المؤمن لا يرتاح لأي من هذه التعاليل. يعيش في حضرة شيء حقيقي سري فوق الطبيعة وفوق العقل، شيء يرفض الصدفة مبدئياً ومن الأساس. المؤمن على الأقل يتساءل: أليس للعناية الإلهية يد في هذا الأمر؟ إذا وُجد الله ووجدت معه عنايته بكل شيء في الوجود، بما في ذلك وقبل كل شيء بالإنسان ومصيره: أليس معقولاً، بل منتظر أن يكون لبقاء الموارنة، بتراثهم الآرامي العريق، مغزى أزلي في هذه الآونة بالذات، في هذه البقعة بالذات، حيث يحيي اليهود تراثهم وحياتهم وذاتيتهم المستقلة، ويحيي العرب تراثهم وحياتهم وذاتيتهم المستقلة، وحيث التراثان والذاتيتان يتقابلان ويتحديان بعضهما البعض ويصطدمان؟ ألا يجدر بهم أن يستقرئوا هذا المغزى؟ أضف الى آرامية الموارنة مسيحيتهم – والمسيح هو من هو -، وأضف الى مسيحيتهم رومانيتهم – ورومية هي ما هي -، وأضف الى الإثنين أوروبيتهم وغربيتهم – وأوروبا والغرب هما ما هما -، تبزغ أمامك آفاق تحد للموارنة تصرع العقل. تصرع العقل…، وتبث في النفس المارونية وفي النفس اللبنانية على العموم منتهى التواضع والإنكسار والخشوع.
شارل مالك 

Last Updated ( Friday, 19 February 2010 19:06 )
 

The Sanctuary of Our Lady

التفضل للتبرع

Account Name:

Saydet Im El Nour Ain Ebel

Account Number:

480-2257731-001  USD
Bank:  BYBLOS BANK
Branch:   BINT JBEIL
country:   LEBANON
Swift code:  BYBALBBX

صلاة الأم العين إبلية

Stations of the Cross

salib6.jpg